عاودت الحجامة ظهورها من جديد خلال السنوات الأخيرة كإحدى أبرز علاجات الطب التكميلي، وفيما تتواصل الجهود لسبر المزيد من أغوار الطريقة العلاجية التي يعود تاريخها لآلاف الأعوام -والتي أقرها الرسول صلى الله عليه وسلم ودعا للتداوي بها- لا يزال هناك جدل حول الأسس العلمية التي ينطلق منها هذا النوع من التطبيب.
هناك نوعان من الحجامة: الحجامة الجافة، والحجامة الرطبة، فالجافة لا تختلف عن مجرد تدليك الجسم "المساج" أو حتى الهرش لمنطقة الألم، ويتم ذلك باستخدام الكاسات المفرغة من الهواء والتي توضع على أجزاء معينة من الجسم فتؤدي إلى سحب الدم إلى المنطقة السطحية من الجسم، حيث يؤدي ذلك إلى شعور المريض ببعض الراحة والاسترخاء، وإلى التقليل النسبي والوقتي للألم الموجود بالمنطقة المحجومة، دون أن يكون لهذا العمل أدنى تأثير في مسببات المرض الحقيقية والتي يكون "الألم" مجرد واحد من أعراضها .
أما الحجامة الرطبة -وهي بيت القصيد- فإنها لا تختلف عن الحجامة الجافة، إلا في تشريط الجلد بعد عمل الحجامة الجافة لإتاحة الفرصة لخروج كمية من الدم تتراوح ما بين 100 سم3 إلى 150 سم3 من الدم، وتتمحور فلسفة الحجامة الرطبة على هذين العملين: تشريط الجلد واستخراج كمية من الدم من موضع الحجامة، وهما العملان اللذان بُنيت على أساسهما كل نظريات الحجامة، وكل محاولات إيجاد أساس علمي لها .
وأشهرثلاث نظريات لها هي:
نظريةاستخراج الدم
نظرية الإثارة العصبية
نظرية خطوط الطاقة
نظرية استخراج الدم
يرى الحجامون أن سحب ما مقداره 100 سم إلى 150 سم من الدم من موضع الحجامة يؤدي إلى تقليل ضغط الدم المرتفع، كما يؤدي إلى تحسين التروية الدموية في أعضاء الجسم بصفة عامة، والأعضاء الداخلية المرتبطة بمنطقة الحجامة بصفة خاصة، وذلك عن طريق إزالة الرواسب والسدد الدموية، وسحب الدم الراكد في هذه المنطقة .
كما أنهم يرون أن الدم المسحوب من مناطق الحجامة هو "دم فاسد" وارد من الأعضاء المريضة ومحمل بالشوائب والأخلاط، وبه نسبة عالية من المواد الناتجة عن عمليات التمثيل الغذائي وإنتاج الطاقة بالجسم، كما أن به نسبة عالية من الخلايا الدموية الحمراء المشوهة، ويزعمون أن الدم الفاسد الوارد من المناطق المعتلة داخل الجسم يركد في أماكن محددة من مناطق الشعيرات الدموية الموجودة في الجلد، ويظل راكدًا ولا يحرك ساكنًا في انتظار من يخرجه عن طريق الحجامة .
فمثلاً الدم الوارد من الرأس يركد في منطقة الأخدعين (على جانبي الرقبة)، والدم الوارد من الصدر وأعلى البطن يركد في منطقة الكاهل (ما بين الكتفين)، والدم الوارد من أسفل البطن والساقين يركد في منطقة الكاحل (العقب) وهكذا.. ولذلك فهم يحددون ما يقرب من مائة موضع على سطح جسم الإنسان لإجراء الحجامة، تختلف هذه المواضع باختلاف الأمراض والأعضاء المريضة .
أما أغرب ما في الحجامة فهو كونها "حجامة ذكية"، حيث تسمح عملية تشريط الجلد بخروج الكرات الدموية الحمراء دون الكرات الدموية البيضاء (على حد زعم الحجامين)، حيث يتم استبقاء الكرات البيضاء من أجل دعم مناعة الجسم .
وبالطبع فإن كل هذا الكلام لا أساس له من الصحة جملةً وتفصيلاً، ويتعارض ليس فقط مع أبسط الأسس العلمية، بل أيضًا مع أبسط أسس علم المنطق، وقد لا يتسع المجال هنا للرد بطريقة علمية مفصلة على كل هذه الافتراضات الخيالية، ولكن ببساطة وباختصار وبدون الخوض في التفاصيل؛ نقول :
إن مجرد سحب من 100سم إلى 150سم من دم المريض قد لا يكون له تأثير ملحوظ على ضغط الدم المرتفع، وقد يحتاج الأمر إلى سحب 500سم من الدم أكثر من مرة على فترات حتى يظهر تحسن واضح في ضغط الدم، وهذه الطريقة معروفة في الطب الحديث لعلاج ضغط الدم المرتفع، وكذلك مرضى زيادة الخضاب (الهيموجلوبين)، وبالطبع فإن التحسن المتوقع في مثل هذه الحالات هو تحسن وقتي وسرعان ما تعود الأمور إلى نصابها .
وقد تجاوز الطب الحديث هذه الطريقة إلى طرق أفضل وأكثر فاعلية في علاج هذه الأمراض، وإذا كان الأمر مجرد سحب كمية من الدم فإننا نقترح على المرضى الذهاب إلى بنوك الدم للتبرع بكمية من دمائهم في وقت عزت فيه قطرة الدم بدلاً من ذهاب الدم سُدى في كاسات الحجامين.
محطات الحجامة
ولكن الحجَّامين يذهبون إلى أن الموضوع ليس مجرد سحب أي دم من الجسم، ولكن الأمر يتجه إلى سحب دم فاسد وراكد ووارد من المناطق المريضة بالجسم، ومتوقف في "محطات الحجامة" في انتظار من يسمح له بالخروج، وإذا كنا نعذر الإخوة الحجَّامين من غير الأطباء في ترديد هذا الكلام فإننا لا نعذر الإخوة الحجَّامين من الأطباء، إذ إن بعضهم يردد نفس الكلام الذي يخالف أبسط قواعد العلوم الطبية وعلم وظائف الأعضاء؛ فالدم -وببساطة وبدون الدخول في التفاصيل- يدور في الجسم ولا يركد في مكان معين .
كما أن الدم الوارد من منطقة معينة داخل الجسم لا يتوقف في منطقة معينة على سطح الجسم، بالإضافة إلى أنه لا يوجد بالجسم دم فاسد ودم غير فاسد، وإنما يوجد دم شرياني ودم وريدي ودم شعيري، ولا توجد بين هذه الأنواع أي فروق غير فروق طفيفة في كمية الغازات ونواتج التمثيل الغذائي وإنتاج الطاقة، ولا توجد أي فروق في نوعية وعدد الخلايا الدموية المختلفة، ولا كمية معينة من الدم نطلق عليها دما وريديا وأخرى دما شريانيا وثالثة دما شعيريا، حيث إن الدم في حالة دوران مستمر .
كما أن الدم الموجود في الشرايين يصل إلى الشعيرات بعد ثوان، ثم إلى الأوردة، ثم يعود إلى القلب، ومنه إلى الرئة، ومنها إلى القلب مرة أخرى، ثم إلى الشرايين، وهكذا ويتم كل ذلك في ثوانٍ معدودة .
وحتى إذا كان الغرض هو إخراج كمية من الدم بها نسبة عالية من أنواع الاحتراق والتمثيل الغذائي، فالأولى هو إخراج الدم الوريدي الذي به أعلى نسبة من هذه العوادم وليس الدم الشعيري الذي هو مرحلة متوسطة بين الدم الشرياني والدم الوريدي .
نظرية الإثارة العصبية
تعتمد هذه النظرية على فرضية أن هناك صلة عصبية بين أعضاء الجسم الداخلية ومواضع معينة في الجلد، وهذه الفرضية هي حقيقة علمية لا جدال فيها، بدليل أن بعض الأمراض التي تصيب الأعضاء الداخلية قد تسبب ألمًا في مناطق محددة من الجلد، فمثلاً جلطة القلب تسبب ألمًا في الجزء الداخلي من الذراع الأيسر، والتهاب المرارة يسبب ألمًا في الكتف الأيمن .
وعلى هذا الأساس فإن الطب الصيني حدد عشرات الأماكن على سطح الجسم لعمل الحجامة أو غرز الإبر الصينية. وتختلف هذه الأماكن باختلاف الأمراض والأعضاء الداخلية المقصودة بالعلاج .
وتفترض هذه النظرية أن إثارة الأعصاب السطحية على الجلد في منطقة معينة عن طريق التشريط أو غرز الإبر الصينية ينقل رسائل مشفرة تحمل أوامر محددة إلى الأعضاء الداخلية المريضة لتساعدها على التخلص من المرض وتحقيق الشفاء التام .
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: إذا كان المرض في القلب أو المرارة أو غيرهما ينقل رسالة ألم واستغاثة إلى سطح الجلد، فما بال رسالة الألم الصادرة من الجلد عن طريق التشريط أو الإبر الصينية تنقل رسالة علاجية شافية للأعضاء الداخلية؟ !!.
وإذا سلمنا بصدق هذه النظرية وبجدواها في علاج الأمراض، فإن سؤالاً آخر يطرح نفسه الآن وهو: إذا كانت الإبر الصينية التي تغرز في الجلد لفترات طويلة، وبالرغم من ذلك فإن تأثيرها في تغير مجرى بعض الأمراض هو تأثير مؤقت ومحدود ويحتاج في الغالب إلى دعم بعلاجات أخرى من الطب الحديث، فما بال عدة شرطات في الجلد تجرى من خلال الحجامة في أوقات موسمية أو سنوية تكون كافية لعلاج كل الأمراض وبصفة مستمرة، وبغض النظر عن طبيعة هذه الأمراض، سواء أكانت التهابًا أم سرطانًا أم ميكروبًا أم روماتيزمًا أم ما شئت من أمراض؟ !!.
نظرية خطوط الطاقة
وطبعًا موضوع خطوط الطاقة هو من إبداعات الطب الصيني الغامضة، فبعد أن افترضوا إمكانية نقل الرسائل من الجلد إلى الأعضاء الداخلية عن طريق الأعصاب، أي بطريقة "سلكية"؛ فإنهم قد افترضوا أيضًا إمكانية نقل هذه الرسائل بطرق "لاسلكية" عن طريق ما يسمى بخطوط الطاقة، حيث يزعمون أن المحرك الأساسي لعلل الأجسام هو اختلال خطوط الطاقة الكامنة في الجسم، وأن وسائلهم العلاجية مثل الحجامة والإبر الصينية ما هي إلا وسائل لتعديل وضبط مسارات الطاقة المختلة بالجسم .
وبالرغم من أن هذه المسائل استعصت على فهمنا، بل وحتى على فهم من ابتدعوها، فإن ردهم علينا قد يكون: إن العبرة ليس بالفهم من عدمه، ولكن العبرة بالنتائج، فدعنا نرى النتائج ليكون حكمنا منصفًا وعادلاً .
نتائج الحجامة
الحجامة- من وجهة نظر الحجامين.. مدرسة طبية جامعة، فهي من الوسائل العلاجية الفذة التي تستخدم تقريبًا في علاج كل الأمراض ابتداءً بمرض الصداع وأمراض الروماتيزم، ومرورًا بالسكري والضغط، وانتهاءً بالسرطان والإيدز .
أما أعجب استخدام للحجامة فهو استخدمها في علاج مرض سيولة الدم الذي لو أصيب فيه المريض بخدش فقد ينزف حتى يفارق الحياة، ولكن خدوش الحجامة شيء عجيب، فهي لا تسمح بحدوث النزيف، ولم لا وهي تسمح بمرور كرات الدم الحمراء إلى خارج الجسم دون الكرات البيضاء!!.
والأعجب من هذا وتلك أن الحجامة تعالج الشيء وضده، فإذا استخدمت -على سبيل المثال- في علاج مرضى الضغط المرتفع فإن ضغطهم ينخفض، وإذا استخدمت في حالات الضغط المنخفض فإن الضغط يرتفع، وكذلك الحال في زيادة الخضاب أو نقصه (الهيموجلوبين).. وهكذا.
أما نتائج الحجامة الواردة على ألسنة الحجامين فحدث ولا حرج، فلقد شفي جميع المحجومين تقريبًا من كل الأمراض التي ألمت بهم، أو على الأقل تحسنت أحوالهم الصحية والنفسية إلى حد بعيد بعد الحجامة .
والنتائج في الحجامة -شأنها شأن كل مفردات الطب البديل- لا تخضع لمنهج علمي منضبط يتم فيه علاج عدد محدد من المرضى بمرض معين عن طريق الحجامة، ويُعالج عدد مماثل من المرضى بنفس المرض بطرق أخرى من طرق الطب الحديث، ثم تخضع النتائج لمنهج منضبط وتنشر في مجلة طبية معتبرة، وهذا ما لا يحدث أبدًا، وفي حدود ظني أنه لن يحدث أبدًا.
--------------------------------------------------------------------
نبيل زقدان
كاتب مهتم بالشأن العلمي وأخصائي طب الأطفال، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني الخاص بالصفحة: oloom_(at)_islamonline.net